علي محمد علي دخيل

813

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة ، وقد تقدّم بيان قوله لا أقسم في سورة القيامة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أي وأنت يا محمد مقيم به وهو محلّك ؛ وهذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حلّ به من الرسول الداعي إلى توحيده واخلاص عبادته ، وبيان ان تعظيمه له وقسمه به لأجله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولكونه حالا فيه كما سميت المدينة طيبة لأنها طابت به حيّا وميتا ، ثم عطف على القسم فقال وَوالِدٍ وَما وَلَدَ يعني آدم وما ولد من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أي في نصب وشدة ، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ معناه : أيظن هذا الإنسان أنه لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى اللّه تعالى وركب القبائح ؟ فبئس الظن ذلك ، وهذا استفهام إنكار ، أي لا يظنن ذلك ، ثم أخبر سبحانه عن مقالة هذا الإنسان فقال يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أي أنفقت مالا كثيرا في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، يفتخر بذلك أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فيطالبه من أين اكتسبه ، وفي ما ذا أنفقه ؛ وروي عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربعة : عن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين جمعه وفيما ذا أنفقه ، وعن علمه ما ذا عمل به ، وعن حبّنا أهل البيت . ثم ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده فقال أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ليبصر بهما آثار حكمته وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ لينطق بهما فيبين باللسان ، ويستعين بالشفتين على البيان . و روى عبد الحميد المدائني عن أبي حازم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إن اللّه تعالى يقول يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فاطبق ، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فاطبق وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي سبيل الخير وسبيل الشر عن عليّ عليه السلام فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ المعنى : فلم يقتحم هذا الإنسان العقبة ولا جاوزها . وأما المراد بالعقبة ففيه وجوه ( أحدها ) انه مثل ضربه اللّه تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال الخير والبرّ ، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكئود ، فكأنه قال : لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام وهو قوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ أي ما اقتحام العقبة ثم ذكره فقال فَكُّ رَقَبَةٍ وهو تخليصها من اسار الرق إلى آخره ( وثانيها ) انها عقبة حقيقة ، قال الحسن وقتادة : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة اللّه عزّ وجل ، وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون ، وانا أريد ان أخفف عنكم لتلك العقبة أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي ذي مجاعة . قال ابن عباس : يريد بالمسغبة الجوع ، وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من أشبع جائعا في يوم سغب أدخله اللّه يوم القيامة من باب من أبواب الجنة لا يدخلها إلّا من فعل مثل ما فعل يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي ذا قربى من قرابة النسب والرحم ؛ وهذا حثّ على تقديم ذوي القرابة المحتاجين على الأجانب في الإطعام والإنعام أَوْ مِسْكِيناً أي فقيرا ذا مَتْرَبَةٍ قد لصق بالتراب من شدة فقره وضرّه . ثم بيّن سبحانه ان هذه القربة إنما تنفع مع الإيمان فقال ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي ثم كان مع هذا من جملة المؤمنين الذين استقاموا على إيمانهم وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ على فرائض اللّه ، والصبر عن معصية اللّه ، أي وصى بعضهم بعضا بذلك وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي وأوصى بعضهم بعضا بالمرحمة على أهل الفقر وذوي المسكنة والفاقة وقيل : تواصوا بالمرحمة فيما بينهم فرحموا الناس كلهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يؤخذ بهم ناحية اليمين ، والبركة على أنفسهم عن الحسن وأبي مسلم وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي بحججنا ودلالاتنا ،